القاضي عبد الجبار الهمذاني

222

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد علمنا : أنه لا معتبر بالمعاني في هذا الباب ، سواء لورودها المورد على طريقة الإبداع ، أو السبق ؛ فالتحدي بالقرآن لا يصح أن يصرف إلى هذه الوجوه ؛ على أنا قد بينا : أن التحدي وقع بالقرآن لا بالمعاني . . وبينا : أنه الّذي يبين فيه التفاضل دون المعاني ؛ وإن كان حسن المعاني كالشرط ، وكالمؤثر ، في هذا الباب ؛ فإذا صح ذلك فالواجب أن يكون التحدي واقعا في القرآن ، على الطريقة التي ذكرناها . . يبين ذلك : أنها الطريقة المعتادة في الفصحاء ، لأنهم قد كانوا يتبارون ، ويتحدى بعضهم بعضا ، في الكلام الفصيح ، من منظوم ومنثور ، ومرادهم ما ذكرناه ، من أن يأتي أحدهم بما تبلغ رتبته ، في قدر الفصاحة رتبة الكلام الّذي أورده ، فيجب في القرآن أن يكون التحدي واقعا به على المعتاد ، فيكون ما يورده المتحدى في حكم المبتدأ ، ويكون مشاركا للمتحدى في أنه يكون ما يورده مبتدئا وخارجا عن أن يكون محتذيا ، لأن الاحتذاء أو الحكاية لا معتبر بهما في هذا الباب ؛ وينظر فيما ابتدأه كل واحد منهما : هل يكون المتحدى متساويا في قدر فصاحته للمتحدى ، أو مقصرا عنه ، فإنما المعتبر في ذلك بقدره في الفصاحة التي هي صفة الكلام المبتدأ ، حتى أن أحد الكلامين لا يمتنع أن يكون في وصف الخيل ، والآخر في وصف النوق ؛ وقد يجوز أن يكون أحدهما في وصف ما للآخر وصف فيه ، بطريقة أخرى من الكلام ؛ وهذا متعالم عند من يتحدى بالكلام ، ويعلم الطريقة فيه ، باضطرار ، فكيف يصح صرف التحدي في القرآن عن هذه الطريقة المعروفة إلى وجوه غير معقولة ، على ما سأل السائل عنه . فإن قال : إذا لم يصح أن يتحداهم بمثله ، على طريق الحكاية والاحتذاء ، وكان الكلام كله مركبا ، من هذه الحروف المعلومة ، والكلام الفصيح في لغة العرب مؤلف من كلامهم ، فجميعه يجرى مجرى الحكاية ؛ فيجب أن لا يصح أن